السيد محمد تقي المدرسي
205
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وقوع الضرب منك ، أمّا إذا قلتَ : ( زيداً ضربتُ ) فإنّ موضع الاهتمام هو المفعول باعتباره رجلا هامّاً وقع عليه الضرب ، وأمّا إذا قلتَ : ( أنا ضربتُ زيداً ) فإنَّ موضع الاهتمام يصبح الفاعل وهكذا . . وهكذا يؤدي الترتيب وظيفةً بلاغيّة بعد تحمّل الإعراب لوظيفة الإسناد ، والتي نجد عند بعض اللغات إظهارها بكلمات خاصة ( مثل " است " في الفارسية و " is " في الإنجليزية وغيرهما من أفعال الكون ) من هنا فإنْ ظَهَرَت الأداة إمّا بصورة أفعال الكون ( كان وأخواتها ) أو الفاء والباء وما أشبه ، فإنَّ ذلك يزيد في المعنى . مثلا لو قلنا : زيدٌ أضحى ملكاً . أو قلنا : الذي يصوم فله جزاءٌ حَسَن . أو قولنا : ما أنتَ بالرجل الضعيف ، فإنَّ الأدوات لا تدل على مجرّد الإسناد ( كما في سائر اللغات ) بل على معانٍ جديدة . مثلًا في الجملة الأولى دلَّت الأداة على الزمان بالإضافة إلى الإسناد ، وفي الثانية دلَّت على الاهتمام بالإسناد والتأكيد عليه كما في الثالثة . جيم : الترابط والمعاني المعقّدة كانت اللغة ذات طابع آحادي في التعبير حيث كان الهدف من البيان إيضاح فكرة واحدة غير متعدّدة ولا معقّدة ، مما يُسمّى ب - ( التوازي ) مثل : ضَرَبَ زيدٌ عمرواً ، بل إننا نجد البسطاء من الناس يستخدمون مثل هذه الجمل البسطية ، وحتى أنهم ربما حذفوا بعض الجملة إعتماداً على السياق ، كالذي يبيع بضاعة على قارعة الطريق يسميها فقط دون أن يضيف إليها حتى كلمة ( هذا ) أو ما أشبه . ولكن مع تعدّد المعاني وتعقّدها أصبحت للجملة صفة ( الترابط ) حيث ضَمَّت الجمل التي يستخدمها علماء الدين والأدب والفلسفة المزيد من الأدوات ( الشرطية والحصرية والتركيبية والتشبيهية والإعتراضية ) للدلالة على المزيد من الأفكار ، وهذا سمة حضارية ، واللغة العربية زاخرة بها والمتكفّل ببيانها علم النحو ، بالإضافة إلى البلاغة ، والاهتمام بهذا الجانب الذي نجده في مثل كتاب مغني اللبيب كفيل بإذكاء حس التلقي للمعاني اللطيفة في الفقه كما في سائر العلوم الدقيقة ولعل هذا هو معنى الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام : « أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء » . « 1 »
--> ( 1 ) - الكافي ، ج 1 ، باب رواية الكتب والحديث ، ح 13 .